الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

330

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الآيات مورد البحث جوانب أخرى من المسائل المرتبطة بالقرآن ، وتبتدئ ببعض الشبهات التي كانت عالقة في أذهان المشركين حول الآيات القرآنية المباركة ، فتقول : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل فهذا التغيير والتبديل يخضع لحكمة الله ، فهو أعلم بما ينزل ، وكيف ينزل ، ولكن المشركين لجهلهم قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون . وحقيقة الأمر أن المشركين لم يتوصلوا بعد لإدراك وظيفة القرآن وما يحمل من رسالة ، ولم يدخل في تصوراتهم وأذهانهم أن القرآن في صدد بناء مجتمع إنساني جديد يسوده التطور والتقدم والحرية والمعنوية العالية . . . نعم ، فأكثرهم لا يعلمون . فبديهي والحال هذه أن يطرأ على وصفة الدواء الإلهي لنجاة هؤلاء المرضى التغيير والتبديل تدرجا مع ما يعيشونه ، فما يعطون اليوم يكمله الغد . . وهكذا حتى تتم الوصفة الشاملة . فغفلة المشركين عن هذه الحقائق وابتعادهم عن ظروف نزول القرآن ، دفعهم للاعتقاد بأن أقوال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تحمل بين ثناياها التناقض أو الافتراء على الله عز وجل ! وإلا لعلموا أن النسخ في الأحكام جزء من أوامر وآيات القرآن المنظمة على شكل برنامج تربوي دقيق لا يمكن الوصول للهدف النهائي لنيل التكامل إلا به . فالنسخ في أحكام مجتمع يعيش حالة انتقالية بين مرحلتين يعتبر من الضروريات العملية والواقعية ، فالتحول والانتقال بالناس من مرحلة إلى أخرى لا يتم دفعة واحدة ، بل ينبغي أن يمر بمراحل انتقالية دقيقة . أيمكن معالجة مريض مزمن في يوم واحد ؟ أو شفاء رجل مدمن على المخدرات لسنوات عديدة في يوم واحد ؟ أوليس التدرج في المعالجة من أسلم الأساليب ؟